شكيب أرسلان

146

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

في هذا الأمر ، برغم ميل لجنة الانتدابات إلى إنصاف المسلمين فيه . وإذا رجعنا إلى أصل البلية وجدناها من المسلمين أنفسهم ، لأنّ حكوماتهم لما كانت مستقلة ، ولأنّ حكوماتهم المستقلة الباقية إلى اليوم - تصرّفت بالأوقاف تصرفا سيئا مخالفا للشريعة ، منافيا للأمانة ، فمهّدت للدول المستعمرة العذر في طمسها لهذه الأوقاف أصلا ، وفي هبتها منها للرهبان ، وسيطرتها التامة على ما أرادت إبقاءه منها للإنفاق من ريعه على المساجد . ولا يزال حتى اليوم في بلاد الإسلام أوقاف لا تحصى محبوسة على الحرمين الشريفين ، كان يجب على حكومات هذه البلدان من إسلامية أو أجنبية أن تحسن إدارتها ، ولا تحتجن شيئا من حاصلاتها لإنفاقها في حاجات أخر ، بل ترفعها كلها إلى الحرمين بحسب شروط الواقفين . وإذا قدّرنا أنّها لا تثق بحكومة الحجاز أو بأعيان أهالي الحجاز في قضية توزيع هذه الصدقات ، أو إنفاق هذه الأموال في وجوه الخير ، فليس عليها أكثر من الإشراف أو الاشتراك مع حكومة الحجاز في التوزيع أو الإنفاق على المشروعات الخيرية التي بإحيائها يعمر الحجاز . ولعمري إنّ الأولى بهذه الحاصلات الورادة من الآفاق إلى الحجاز إذا وردت أن ينفق جلّها - إن لم ينفق كلّها - على تأسيس ملاجىء للفقراء وللأيتام ، حتى لا يبقوا عالة على الناس ، ووقرا على الحكومة ، وفي بناء مستشفيات ومصاحّ للمرضى والضعفاء ، الذين يكثر عددهم في الحجاز بكثرة الغرباء ، ولو كان هواء الحجاز بحدّ ذاته نقيا - وكذلك في تشييد مدارس صناعية ، ومشاغل يحشد إليها العاطلون من العمل ، والعائشون من التسول ، وعلى مشروعات أخرى خيرية عامة ، لا ينحرف فيها البرّ عن أصله ، ولا يخرج الوقف عما ربط عليه ، مع التباعد فيه عما يغري الأهالي بالكسل ، ويعوّدهم البطالة ، ويوجد عندهم عقيدة